Logos Multilingual Portal

التمسّك العاطفي والتعلّم

Index Back Next


  التعلّم عامةً، وتعلّم اللغات الأجنبية بصورة خاصة، شيئان يرتبطان بالوضع العاطفي الذي تحدث فيه الواقعات. يتعلم الطفل لغة أمه، أو لغة من يمضي معه أكثر وقتاً، وذلك بموجب ربط الضرورات الأولية من ناحية وإشباع الحاجيات الأساسية ببعض الأصوات المطابقة من ناحية أخرى. تعلّم "اللغة الأم" (أو اللغات الأم في حالات العائلات الثنائية اللغة)، يتم من خلال روابط لا وعيية ومنفصلة عن أية عقلانية. في أغلب الأحيان، ترتبط ضرورات وحاجيات الرضيع على تلبية الحاجيات الفيسيولوجية واستكشاف العالم، وذلك بواسطة الفم بصورة خاصة. لذلك، أول الكلمات التي يتعلمها الطفل ترتبط بالأم وبتلبية الحاجيات والضرورات: الطعام، الأم، الحليب، المصاصة (الرضاعة الاصطناعية)، البراز (الغائط).

  وإن لم يستطع الطفل إنتاج صوت يرتبط ويتمسك عاطفياً بأي شيء أو بأية حالة، هذا لا يعني بأن الطفل غير قادراً على التفكير وإدراك الشيء أو الحالة. الفكر له امتداد أوسع من اللغة الشفوية، ويمكن ترجمة هذا الأمر من وجهة نظر عملية كتنسيق مسبق للأعمال. 1.

في الحقيقة، وبكلمة أخرى، هناك تفكير شفوي فرعي يسبق اللغة الشفوية، وهو أكثر إتقاناً من الأخير: التفكير الشفوي لفكرة، وذلك سواءً في الأطفال أو البالغين، يشير دوماً عن تحليل يترك وراءه بقايا من الكلمات.

  بعض الدراسات على الأطفال الانطوائيين على الذات (طفل فصامي ذاتي)، وبالتالي المعزولين عن العالم، والذين لم يطوروا وظائف وخصائص الاتصال، تشير عن الارتباط بين غياب الشخصية المسئولة دوماً عن عنايتهم في الشهور الأولى (من الناحية الجسدية أو النفسية) وتطور الانطواء الذاتي (الذاتوية). تنمو وتتطور أولاً قدرة الاتصال في نطاق العلاقات، وما نسميه هنا للتسهيل: أم ــ طفل، وإن لم يكن من الضروري أن تقوم الأم بهذا الدور، ولكن يمكن أن يقوم بهذه الوظيفة أي شخص آخر يمثلها. 2.


1 Massucco Costa e Fonzi, pp. 13.
2 Bettelheim 1950, 1967.
هناك مشاكل متعددة يمكن أن تكون سبب الانطواء الذاتي (الذاتوية). على سبيل المثال: هناك أدلة تشير عن التأثير الوراثي. وأخرى، تشير بأن سبب الانطواء الذاتي هو نوع من الفيروس. من المرجح، المرأة التي تعرضت خلال الفصل الأول من الحمل (الشهور الثلاثة الأولى) للحصبة الألمانية (الحمة القرمزية)، يمكن أن تولد طفلاً مصاباً بالانطواء الذاتي .نشير أيضاً، بأن التلوّث الجوي والسيتوميغالفيروس (حمة مضخمة للخلايا)، يمكن أن يسببا الانطواء الذاتي (الذاتوية).

للمزيد من المعلومات عن الانطواء الذاتي: http://www.autism.org



  مع تطور اهتمام ومصالح الطفل، وتعديها حدود إدخال \ طرد الطعام (البراز)، تتطور أيضاً مقدرته على الإدراك والتفكير والاتصال. يمكن أن يتعلم الطفل الكلمات باللعب أو بأي نوع من المعاشرة، ولكن المحفز الوارد من العالم الخارجي، يشكل دوماً السبب الرئيسي والأهم لتطوير الحالة العاطفية التي ترتبط بصوت معين يتعلق في المراسلة الأولى والتقريبية بين المعنى والصوت والمعنى وأهميته.

  في هذه الحالة، يحاول الرضيع إنتاج الصوت الذي فهمه بواسطة جسمه، وبصورة خاصة، أعضاء إصدار الصوت. وعندما ينجح في هذه العملية، يدرك بأن إصدار الصوت في العالم الخارجي، يؤدي إلى نتائج متوقعة: يضع حجر الأساس للاتصال الشفوي الفعال.

  في هذه الحالة، نشير بأن التعلّم اللغوي هو تلقائي، وليس طوعي، ولا ينتج عن أي قرار عقلاني. من هذه البيانات، نستنتج خلاصتين:

·  يتم تعلّم اللغة الأم (أو اللغات الأم) بصورة غير وعيية، وغير خاضعة لأية سيطرة عقلانية؛

·  كل ما يتم تعلمه، يرتبط بعلاقة عاطفية مهمة بين الطفل والشخص، أو مع الجسم أو مع أي إجراء تحدده الكلمة أو التعبير المعين.

  في المراحل التالية من نموّ الطفل، وعندما يتمكن من المقدرة على التفكير بمفاهيم جديدة، يتم استيعاب وفهم هذه الأفكار بتناسق مع البيئة الخارجية والغنية بالمحفزات الثقافية والعاطفية. بدون هذه المحفزات والصور التي يجب تقليدها، أو مع من يستطيع الطفل تأسيس أي علاقة، لا يمكنه أن يطوّر المهارة اللغوية مطلقاً. هذه الظاهرة موضحة بصورة مثالية وحقيقية بموجب ما حدث في عام 1793 والمشروح من قبل تروفو في فيلم الولد المتوحش 3.

.

  هذا لا يدل، وكما ذكرنا سابقاً، بأن من لا يملك المقدرة على التعبير الشفوي، لا يمكنه أن يحلل الأمر عقلياً. التحليل العقلي الذي لا يتمكن الطفل التعبير عنه لغوياً، يسمح له بتقييم الخطط الديناميكية كالتي توجد في ذاكرة الراشدين. يمكن إثبات ذلك بواسطة دلائل وخبرات الراشدين عن خبرات طفولية ترتبط بالسيئ والجيد. 4.


3 Truffaut 1969.
4 Massucco Costa e Fonzi, pp. 32.


  تختلف ذكريات الشخص الراشد فيما يتعلق بحياة الطفولة من شخص لآخر. ولكن، وبصورة عامة، أكثر ما نرجع إلى الخلف من الوقت، أكثر ما تقل كمية هذه الذكريات. الشخص الراشد يتعلم اللغة الأم (نادراً لغتين) ويستعملها للتكلم والكتابة بصورة تلقائية. وهكذا العديد من الإجراءات التي ينفذها أتوماتيكياً. على سبيل المثال: المشي، الأكل، استعمال الدراجة، قيادة السيارة. إن القيام بجميع هذه الإجراءات والأمور، لا يدل حتماً بأن الشخص يتذكر الحالات التي تعلم فيها القيام بذلك. ولكن، في العديد من الحالات، تم محو هذه الذكريات من فترة طويلة، وهكذا، يوجد الشخص في حالة يقوم فيها بالعديد من الأمور دون أن يذكر من علمه إياها، كيف ومتى.

  هذا "النسيان"، يرتبط بنظام عمل الذاكرة الذي يرتكز على التوفير: لو فكرنا بكل الصعوبات التي يجب أن نواجهها في كل مرة يجب أن نأكل، وكل ما يتعلق بالخطوات اللازمة للمضغ والبلع؛ أو إذا كنا نقود الدراجة الهوائية، وبالتالي التفكير بجميع الحركات الضرورية من أجل التوصل إلى حالة الموازنة. إذا فكرنا بكل هذه الإجراءات، يتوقف التفكير الأتوماتيكي الذي يؤدي إلى القيام بهذه الأعمال، وبالتالي، فقدان التوازن "الأتوماتيكي".

  وأيضاً، عندما نتكلم أو نكتب، نقوم بذلك بصورة أتوماتيكية، وعفوية، وإلى غاية ما تدفعنا الخبرة إلى التفكير بما نعلم، وكيف تعلمنا ذلك، وكيفية تعلم التكلم والكتابة بطريقة معينة.

  التأثير بين اللغة الشفوية واللغة الشفوية الفرعية ليس بأمر قطعي، ولكن متبادل. اللغة الشفوية تفسر وتكمل اللغة الشفوية الفرعية، وفي نفس الوقت، تشير عن تفسير وسطي ومفصل وأكثر حقيقة وأكثر قوة من المعرفة والإجراء الطوعي. بكلمة أخرى، تستعمل اللغة الشفوية كمنطق تركيب لغوي، حيث أن الأفكار والصور والعواطف الغير شفوية، يمكن أن تكون منظمة.

  عادةً، يتم بلوغ هذا المستوى من النموّ في السنة الثانية من العمر، ولذلك ذكرياتنا للسنة الثانية من العمر هي نادرة أو غير موجودة. بموجب ذلك، عند من يقوم بعمل حرفي لا يتطلب استعمال اللغة (وبالتالي، التفكير الشبه اللغوي)، ستبقى هذه الذكريات والأفكار في عالم اللا وعيي. 6.


5 Massucco Costa e Fonzi, pp. 36.
6 Massucco Costa e Fonzi, pp. 39.


  عندما يكبرون الأطفال، تقل عندهم مقدرة استعمال اللغة الشفوية الفرعية، وبالتالي يستعملون أكثر الكلمات. لإثبات وضوح اللغة الشفوية الفرعية، تستعين بعض العائلات بالأخوة الأكبر سناً لترجمة الإشارات والرموز وحركات الأخوة الصغار: في العلاقات العامة بين الأطفال في نفس العائلة، يتم استعمال التفسير السريع والترجمة اللغوية الفعلية التي تشير عن تصرفات لغوية فرعية في الاتصال بين الأخوة الصغار أو طريقة تصرفهم. في أغلب الأحيان، من الصعب فهم هذه اللغة، وفي نفس الوقت، تعرض هذه الحالة الانتقال التدريجي من صيغة اتصال لأخرى. [...] لغة الأطفال [...] يمكن ترجمتها.


تقدّم هذه الجملة الأخيرة موضوع التفسير والترجمة. في الأجزاء القادمة، سوف نعالج المواضيع الأخرى. لحين الآن، أعطينا اهتمامنا فقط لجذور المعرفة واللغة الأم بصورة لا وعيية. في الأجزاء القادمة، سنعالج موضوع الوعي اللغوي الذاتي واللغات المتعلمة.

Copyright © 2006 Logos Group.



ON THE NET
(english)
Bruno Bettelheim

François Truffaut


 



Index Back Next